عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )
72
الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب
الاجتماعية لعصر من العصور المتقدمة . سواء في آداب المؤاكلة ، أم في آداب العشرة وذكر الصحبة والأخوة ، أم في آداب الضيافة والخطابة وآداب الجلوس والاستماع والحديث وغيرها من الموضوعات التي تبرز التقاليد الحضارية والآداب الاجتماعية الراقية عند الأمم في العصور المختلفة ، وهي آداب يتطلع إليها كل مجتمع يحاول أن يسير في طريق التطور والرقي . وفي تراثنا كتب كثيرة بحثت واستقصت وجمعت ما يجب أن يتحلى به المؤاكل من آداب الطعام والمؤاكلة . وما يجب أن يجتنبه من عيوب ويتحاشاه من عادات قبيحة عندما يؤاكل أحدا ، لئلا ينتقد ممن حوله من الناس ويسبب لهم قرفا أو اشمئزازا ، فينقطعون عن الطعام وهم في غاية اللذة وأتم الانسجام في تناول ما أحله اللّه لهم من الطيبات . من هذه الكتب المتأخرة رسالة للشيخ بدر الدين الغزي « 1 » تحمل هذا العنوان « آداب المؤاكلة » أحصى المؤلف فيها بعضا من عيوب المؤاكلة من مصادر مختلفة من تراثنا العربي ، وذكر جميع ما ورد عن العرب من صفات ذات صلة بأدب المؤاكلة ، وأشار إليها جملة وتفصيلا ، وقد دعمها بالشواهد الشعرية المختارة لشعراء سابقين له أو معاصرين ، كما أشار إلى بعض ما جاء في السنة النبوية مما يتعلق بآداب المؤاكلة . وقد جعل مؤلف تلك الرسالة العيوب التي استقبحها العرب في الطعام ، واعتبروا من اجتنبها انسانا فاضلا خبيرا بفن وآداب المؤاكلة ، أحد وثمانين عيبا جمعها من مصادر تراثية متقدمة وحكايات متعددة استوحى منها موضوعه . أهمها قصة ( حاطب ليل ) التي جرت لرئيس عمرانات الشيخ النجيب يوسف بن يعقوب وقد شارف على الموت عشرين يوما حتى تم تخليص العظم من حلقه . فكان هذا سببا ودافعا لأن يضع هذه الرسالة ويستقصي عيوب المؤاكلة مؤكدا على آدابها وأصولها .
--> ( 1 ) هو الشيخ بدر الدين محمد بن محمد الغزي العامري الدمشقي ( 904 - 984 ه . ) وهو أحد الأعلام الكبار في القرن العاشر الهجري من فقهاء الشافعية البارزين ، كان عالما بالأصول ، متضلعا من التفسير والحديث له رسالة في آداب المؤاكلة ، أتبعها بما كان معروفا في عصره من الأطعمة والمآكل وطريقة صنعها وأدواتها من آلات وصحاف وأوان وقصاع وغيرها ، وله رسالة أخرى في « آداب العشرة وذكر الصحبة والأخوة » عرض فيها الآداب الاجتماعية التي يجب أن يتحلى بها الانسان الفاضل .